تنهدت، ثم تنهدت، لا أعلم كم من الوقت أخذت أتنهد، لكنني موقنة أنها أكثر من أن يحتملها مدير عملي، حيث أخذ يخاطبني بانزعاج واضح:
- توقفي عن التنهد، واذهبي حيث يتوجب بك التواجد.
- لا رغبة لي في ذلك.
همست بشيء من الضجر، حينها شعرت بنظراته تتجه نحوي، فرفعت رأسي عن ظهر الأريكة، ونظرت إليه.
- هل هناك شيءٌ ترغبين في طرحه؟!
- أجل، توقف عن ادعاء الثقافة.
- أيا!
علق محذرًا، فاعتدلت في جلستي، ثم قلت بطبيعتي:
- ما الذي تفعله ... حين يصادف ... وجود الأشخاص الذين تعمل معهم ... في نفس المدرسة؟
بدا المدير يستمع إلي باهتمام، بينما بدا علي القلق رغم محاولتي الهدوء والاسترخاء.
- تعنين فرقة السماء، أليس كذلك؟
ابتسم وكأنه يخفي سرًا دفينًا، ثم عقد أنامله فوق مكتبه، واتكأ برأسه عليها، ثم أردف:
- لقد نقلتهم لتلك المدرسة كونها المدرسة الوحيدة المتخصصة بالفنون، تعرفين، لم أكن أعرف أنكِ ترتادينها!
- حقًا!
قلت بشيء من التساؤل الساخر:
- وأنتَ تعترف كونها المدرسة الوحيدة، ثم تقول أنني لا أرتادها.
قلب عينيه بشيء من الضيق، وتذمر:
- لمَ يجب أن تكوني بهذا الذكاء.
ثم نظر إلي بحزم، واستطرد بهدوء:
- على أية حال، أريدك ...
قاطعته بسرعة، وأنا أشير له بيدي أن يتوقف:
- لا، لا، لا .. اطلاقًا!
- لم أكمل جمـ ..
- أبدًا!
فأسقط جسده على المكتب بخيبة أمل، بينما حافظت على كبريائي، ما الذي يظن نفسه؛ ليضعني في موقف حرج كهذا!
في تلك اللحظة طرق باب المكتب، ليطل ... يا للحظ، أشحت وجهي محاولةً إخفاءه من الجهة الأخرى، لأشعر به يحاول استراق النظر.
- ما الذي جئت لأجله حسام؟
أتى صوت المدير منقذًا، حين خرج صوته الرنان الهادئ:
- إنه بخصوص المدرسة الجديدة؟!
فازدردت حلقي بصعوبة، حين أردف:
- لمَ يجب أن يكون كلًا منا في فصلٍ مختلف؟ الجميع معترض على ذلك.
- من هو الذي اعترض بالضبط؟
- قلت لك جميعنا، هل علي أن أوضح مفهوم جميعنا تلك؟
- هدئ من روعك يا فتى، الأهم من ذلك، أنكم ستشكلون ضجة كبيرة إن كنتم في فصل واحد، أليس كذلك مجدولين؟
ماذا؟ هل يحاول استشارتي؟
أومأت برأسي إشارة الموافقة، حين أخذ حسام يتساءل:
- هل الآنسة مجدولين بخير؟!
- أجل، أجل!
علق المدير باستخفاف:
- فقط، أنتَ تعرف طبيعتها الخجولة.
أود حقًا أن أضرب هذا الرجل!
لكنه على أية حال أنقذني من الموقف، حين سمعت طرق الباب يعلن مغادرته، لأتكئ برأسي على الأريكة، وأتنهد بارتياح.
- سأتوجه للعمل الآن.
قلت وأنا أهم بالنهوض، حين استوقفني المدير قائلًا:
- ماذا ستفعلين بتلك الحالة؟
- سأكتب أغنية حزينة تشفي غليلي، وتحطم مستقبل هذه الشركة.
خرجت كلماتي من بين أسناني، في محاولة فاشلة؛ لضبط نفسي، لأفاجئ بقوله لي حين وصلت إطار الباب.
- لم لا تأخذين اليوم استراحة، وتعودين للمنزل.
نظرت إليه بتحدٍ، وسألت:
- حقًا؟!
فأومأ بالإيجاب، وهو لا يزال يبتسم تلك الابتسامة المستفزة التي لا تغادر وجهه، وكأنه يتمنى مغادرتي في هذه اللحظة فعليًا.
لم أشأ أن أعكر الوضع، فقلت وأنا أعدل حقيبتي على إحدى كتفي:
- حسنًا، سأذهب.
ثم سرت في الممر باتجاه الخروج، دون أن ألقي الآخرين بالاً، لأستنشق الهواء النقي في الخارج، وكأنني حصلت على حريتي.
دخلت المنزل، كنت غاضبة بحق، حتى أنني لم ألمح والدتي وهي تعد الطعام على المائدة، دخلت دورة المياه، حين دخل صوت والدتي.
- آية! هل أنتِ بخير؟
ثم أخذ يقترب:
- عدت مبكرًا اليوم.
اتكأت برأسي على الباب، لم أكن حقًا بحاجة لمن أكلمه، أريد فقط البقاء وحدي، أفكر في كيفية موازنة الأمور، إن عرفت هويتي انتهى كل شيء، حتى تلك اللحظات الهادئة التي أتمناها، لن أحلم بها بعد اليوم.
أخذت تطرق الباب بوتيرة منتظمة، أصبحت مزعجة مع مرور الزمن، فقلت بضجر:
- أتركيني لوحدي بعض الوقت.
- هل أنتِ متأكدة؟ ألستِ مصابة بحمى؟
- لا، لست كذلك ... سأخرج بعد قليل.
الحقيقة، لا أحب أن أكلمها حين أكون مهمومة، أو غاضبة، لا أريدها أن تقلق بشأني أكثر من ذلك، لديها الكثير من الأمور كي تقلق بشأنها، لا أنكر أنها تعرف أمر عملي، لكنها لا تدرك ماهيته، حتى لو سألت، لست مخولةً بإخبارها، فالأسرار تبقى أسرارًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق