قررت أن لا أتجه اليوم نحو العمل، ذلك ما كنت أضع الـ "لكن" لأجله.
ما إن أعود مع توقيت عودة آية إلى المدرسة، حتى يتم التشكك بأمري!
لست خائفةً من حسام - زميلي في الفصل – لكنني أخشى من أسئلته الغبية التي ستشعل شرارة النباهة في أحدهم.
حسنًا، ربما يُعتبر غبيًا، لكنه يفتح الطريق للأذكياء، مما يعني أنه يملك ذرة منه، حتى لو كانت كثرة ثرثرته هي ما تفتح له ذلك المجال، إلا أنه شخص علي توخي الحذر نحوه.
ربما فاجأني اليوم بحركته تلك، توقعت أن يكون النجوم سعيدين بجمهورهم، لكن يبدو أنني فوتُ الكثير من الأمور.
على أية حال ...
بما أنني قررت ذلك، اتجهت مع صديقاتي الثلاثة نحو مكانٍ راقٍ لبيع المثلجات والعصائر الباردة، ربما لا يمكن أن أسميه مقهًى، لكنه ليس مطعمًا أيضًا ... لذا تسميته بـ "مكانٍ راقٍ" تبدو مناسبة!
تجمد دماغي مع القضمة الأولى، يظهر ذلك جليًا على ملامح وجهي، فيبدأنَ الضحك بهستيرية مزعجة.
علقت رؤى:
- لا تقولي لي أنكِ تتحسسين من حرارتها.
فأخذت مي تستظرف:
- أليست البوظة من الصنف البارد!
فأصدرت رؤى أصوات متكلفة تدل على الاستخفاف والانزعاج، لتسأل سونيا مقاطعةً هرجهما:
- بالمناسبة آية، ما الذي حصل مع الممرضة؟ هل كانت حالتك مستعصية لتلك الدرجة؛ كي تختبئي في الفراش لفترة من الوقت؟
بحق الله! لمَ أسئلتها طويلة وتحتاج تفسيرًا.
أجبت بلا مبالاة:
- لم يكن الأمر بتلك الخطورة.
- حقًا؟!
علقت رؤى بدهشة:
- وركدت في الفراش ثلاثة أيام متتالية!
- حسنًا!
أخذت أمثل التفكير:
- قال شيئًا عن ارتجاج طفيف في الدماغ ...
حينها قاطعنني بعصبية:
- ارتجـــــــــــاج!
لينظر جميع من في المكان نحونا، حينها أخذن يمثلن دور الخجولات، يَعدن بهدوء نحو مقاعدهن، مهمهمات باستحياء واضح.
جاء الآن دوري لتهدئتهن:
- حسنًا، لم يحصل شيء سيء، لذلك لا بأس.
- تبًا أيا!
علقت سونيا بدلال:
- عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا لنفسك.
- بالمناسبة!
تكلمت مي:
- ماذا حصل بشأن تقرير المعلمة مروة؟
إلى هنا وشعرت بقلبي يتوقف، نظرت نحوهن بصدمة شديدة فاضحة، لم أكن لأعرف ذلك، لولا نظراتهن القلقة نحوي، لكن التساؤل الوحيد الذي يخطر ببالي الآن:
"كيف لها معرفة ذلك؟!"
- كيف ...
تلعثمت:
- .. عرفتِ؟
فرفرفت شعرها الحريري بفخر، وهي تخرج كلماتها باعتزاز:
- أخبرتني العصفورة.
- هذه حجة قديمة.
- أجل، مي!
تكلمت رؤى مدافعة:
- عفا عليها الزمن!
- حسنًا، حسنًا!
تذمرَت:
- سأفكر بحجة جديدة المرة القادمة.
- ميمـــي!
نهرنَها، ضامةً صفي إلى جانبهما، حينها ضحكت بخفة، وأخذت تتمايل، ثم همست بدلال:
- ماذا؟! فلتمرروا الأمر هذه المرة!
حدقْن في بعضنا باستفهام، واستنكار، لأعود إلى كأسي، وأنهي فضولها:
- على أية حال، فلتخبري عصفورك أن يكمل لك القصة.
فعادت تتململ:
- لماذا؟ فلتخبريني بما أننا هنـــا!
فاعتصمت النفي، ليظهر على وجهها علامات الاستياء الساذجة، تضع رؤى كفها على ثغرها مخفيةً شماتتها.
- اذًا رؤى!
علقت سونيا بنبرة تخفي فيها خبث سؤالها القادم:
- أنتِ لم تحاولي الحصول على توقيعه كالأخريات، أليس كذلك؟
سحبت يدها، ونظرت نحو سونيا التي تنظر نحوها بنظراتها الثعلبية، يعتريها الشك والريبة، بنظرات مذعورة، وكأنها تلقت خبرًا سيئًا لتوها، حينها بدأت أسئلة كثيرة تحوم حولي.
"تبًا! هذا ليس وقت الفضول"
- لـ ... لـ ... لا ... لم أفعل!
تلعثمت، فاتجهت عيوننا نحوها، حينها سألت:
- لم أفهم، عن ماذا تتحدثون؟!
نظرن إلي، لأشعر بالذعر لنظرات الاحتقار تلك، توقظني لكزة سونيا المؤلمة لوجنتي، وهي تتكلم بنبرة كأنها تحاول سحب السؤال:
- هيـا ! كفاكِ عبثًا، أعرف أنكِ تعرفين عن ماذا نتحدث.
أزحتُ أناملها عن وجهي بلطف، بينما تعتري ملاحتي الانزعاج، لتتكلم مي بهدوء يشوبه الغموض:
- لكن! ... ألم تكن سونيا هي من رافقه أرجاء المدرسة ...
حينها همت سونيا نحوها بتوتر ملحوظ، لتغطي ثغرها عن البوح بالباقي، واصطبغ وجهها بحمرة الخجل، تتبادل الأدوار مع رؤى، التي أخذت تنظر نحوها بمكر، تُخرج الكلمات بنبرة ساخرة:
- ماذا؟ هل طلبتِ توقيعه مقابل هذا الشيء الرخيص؟
- ما الذي تعنينه؟
خرج صوتها غاضبًا، بطريقة مضحكة، فنحن لم نعهد غضبها من قبل، لذلك لم نتمالك أنفسنا، وأخذنا جل طاقتنا في الضحك، لتنفخ شفتيها بانزعاج، إلا أن وجهها الذي لا يزال يحمل حمرة الخجل والغضب معًا أصبح أكثر لطفًا، كهامستر منفوخ الوجه، ذو عينين كبيرتين تتلألآن ببراءة.
- إن تصرفت هكذا، متأكدة أنه سيقع في حبك سونيا.
علقت مي بشيء من الازدراء والمكر، فتلكزها سونيا باستحياء؛ كي تتوقف، حينها أخذت رؤى تكمل السيناريو:
- هي لن تتكبد عناء انتقاء زوج المستقبل، فهم سيكونون في طابور طويل أمام بيتها.
حسنًا، ربما بدأت أكره انتقال الحديث إلى هذا الشكل، فلم يكن مني إلا أن سعلت بما تناولته من البوظة، لتهم سونيا ورؤى الأقرب إلي بضرب ظهري بلطف.
بلطف!
مهلًا! حين اجتمعتا معًا أصبحت كقبضة مصارع يريد الانتقام، لذا أخذت أبعد ذراعيهما بسرعة، وأنا أبذل جهدي في كتم هذا السعال المزعج.
بدت الرؤية غير واضحة، لكنني لمحت كوب الماء الذي يتجه إلي، سمعت صوت مي تقول بلطف عجيب:
- تناولي هذا.
أأشرب الماء وأنا أسعل؟! هل حصل لعقولهن شيءٌ ما؟! أم هن حقًا يردن الانتقام؟!
لكن لأكون صادقة، لم أستطع أن أرفض لطفها نادر الحدوث، لأتناول الكوب، وما إن تجرعت الجرعة الاولى، حتى شعرت بقلبي يتوقف من الألم، وزاد سعالي سوءً، حينها سمعت رؤى وسونيا توبخانها.
آه! أجل! أنا لست مع صديقاتٍ يردن الانتقام! إنهن يرغبن بمساعدتي، لكن غباءهن لا يسعفهن.
نهضت بسرعة نحو دورة المياه؛ كي أتمالك نفسي بهدوء، أقدر مساعدتهن وقلقهن علي، لكنني إن بقيت أعتمد عليهن في ذلك، لابد أن أضحي بحياتي، وطبعًا هذا شيء مستحيل!
استندت على منضدة المغاسل، وأخذت أتمالك أنفاسي، ألم قلبي أصبح أخف، ما عدت أشعر بالتشنج، مع مرور الدقائق، أصبحت أتنفس جيدًا، حتى استعت وعيي.
الآن بعد شعوري بالراحة، أستطيع الخروج، لكنني أتمنى في قرارة نفسي ألا أجدهن يتشاجرن من أجل ذلك، لأنني ما إن وصلت المكان، حتى وجدت الأشخاص الذين يستضيفون المكان، بالإضافة للزبائن متحوطين حول نقطة أعرف بالضبط ماهيتها.
ضربت جبهتي بحسرة، لمَ لا يخيبن توقعاتي، لأجد نفسي طردت معهن من المكان.
- حسنًا!
علقت سونيا بمرح:
- في النهاية قضينا وقتًا ممتعًا.
أخذن يضحكن، بينما كنت في قرارة نفسي أتساءل:
"ما الممتع في ذلك؟!"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق